الموريتانيون .. شعب يألف الصحراء ويتحداها(4)

أبريل 29th, 2006 كتبها الشيخ محمد حرمه نشر في , موريتانيا في مجلة العربي

الرمال تهدد درة الماضي

         من أطار انطلقنا نحو شنقيط, طريقها محاط بجبال أدرار ويالها من جبال تمثل متحفا حقيقياً للطبيعة التي عملت رياحها في الحت والتعرية بدقة حتى بدأت أشكال زخرفية كالتماثيل السريالية الرائعة بالظهور, رافقتنا هذه المناظر حتى منتصف الطريق ثم بدأت الرمال الناعمة بالظهور والصحراء تتلون من حمراء إلى بيضاء إلى قاتمة كجلد النمر ومما خفف المشقة أن الطريق الترابي كان ممهداً.

         وصلناعيون الخيل” وهو معنى كلمة شنقيط, الحرارة لا تطاق والجفاف ضارب أطنابه الرمال الناعمة في كل صوب, وقبل أن نتوجه إلى الفندق شربناالزريقلبن الإبل وهو الضيافة الموريتانية بمنزل العمدة ثم توجهنا إلى إحدى دور المخطوطات, إنها دار سيدي محمد بن الحبت ذلك الرجل الذي عاش “120″سنة وفي مكتبته الباقية إلى اليوم تصف المخطوطات في الخزائن وخلف الزجاج وقد أخبرنا المشرف على المكتبة أن الحبت كان يشتري الكتب التي يجدها للبيع, وقد اقتنى كتباً أثناء رحلة الحج سواء بالشراء أو بالمجان وجلبها واستمر اهتمامه بجمع المخطوطات حتى بلغت “1400″ مخطوطة لاتزال في المكتبة وتدور هذه المخطوطات حول “12فناً من مختلف فنون العلم والمعرفة كعلوم القرآن, الحديث, النحو, السيرة, اللغة الحساب, الأدب, علم الفلك, الطب وأقدم كتاب مخطوط فيها هو لأبي هلال العسكري ويعود إلى480 هـ” ويمكن للباحث أن يزور هذه المكتبة ويحصل على الصورة التي يريد لإحدى المخطوطات ولكن المشكلة في عدم وجود آلة تصوير.

         ولاتزال وسائل المحافظة على المخطوطات محدودة وتقتصر على مكافحة الحشرات وتأمين الجو المناسب لتبقى أطول فترة ممكنة.

         المخطوطات ليست في شنقيط فقط بل هي موزعة وبأعداد كبيرة تصل إلى “40ألف مخطوط في مختلف أنحاء البلاد ولها قسم خاص أنشأه المعهد الموريتاني للبحث العلمي في نواكشوط وهذا القسم اهتم بجمعهامنذ 1975م حتى وصل عددها اليوم إلى أكثر من7000″ مخطوط بعضها لابن سينا والرازي وبينها مروج الذهب للمسعودي وهو مكتوب على رق الغزال وهذه المخطوطة تعود إلى ما قبل القرن الخامس الهجري وبينها أيضاً “جامع ابن يونس” وهو من الكتب المهمة في فقه المذهب المالكي وقد تم حفظ 3500 مخطوطة بتصويرها على الميكروفيلم والميكروفيش, والإشراف مستمر على تعقيم المخطوطات وقتل الحشرات التي بينها والعمل دائم في ترميم المخطوطات الآيلة للتمزق.

         والمخطوطات واحدة من دعائم الثقافة التي تعرف بها موريتانيا ولعل الدعامة الأخرى هي المحاظر والمحاظر شكل من أشكال التدريس لا يوجد إلا في موريتانيا وقد فرضتها حياة الحل والترحال حتى أن بعض المحاظر كانت تنتقل بطلابها على ظهور الإبل والمحظرة مدرسة لكنها بطابع خاص يشبه طابع الكتاتيب في الدول الأخرى ولكنها من حيث مناهجها وأساتذتها ليست مجرد كتاتيب وإنما هي مدارس وجامعات لها أساتذتها المختصون في الواقع ويطلق على الواحد منهم “شيخ المحظرة” وفي منتدى الأربعاء الثقافي الذي ينعقد أسبوعياً بحضور نخبة من المثقفين وأساتذة الجامعات وتناقش فيه موضوعات جوهرية وقضايا ذات حساسية عالية, في ذلك المنتدى أكد بعض المدرسين في الجامعة أنهم لم يدرسوا إلا في المحاظر واستطاعوا بعدها أن يتابعوا في جامعات دول أخرى وكانوا المقبولين الأوائل وحصلوا على أرقى الشهادات.

         وفي إحصائية أجريت سنه 1994م تبين أ

المزيد


الموريتانيون .. شعب يألف الصحراء ويتحداها(3)

أبريل 29th, 2006 كتبها الشيخ محمد حرمه نشر في , موريتانيا في مجلة العربي

عروس في ثياب سوداء

         حين كنت أبدي إعجابي بألوان الملحفات الزاهية قالت لي إحداهن, تصور إننا في حياتنا العادية نرتدي الملاحف بألوانها الزاهية وأما العروس في ليلة زفافها فإنها ترتدي ملحفة سوداء وتغطي وجهها عن الناس ليومين فلا يراها أحد إلا سعيد الحظ “زوجها” وهذه من العادات الطريفة التي تكثر في موريتانيا, ولقد أثار لديهم العجب استغرابي من عدم لقاء الرجل مع والد زوجته طوال العمر وهذه لديهم شعبة من شعب الحياء, فاللقاء بين الشاب ووالد الزوجة محال ومخل بالحياء, فحالما يطلب الشاب الفتاة للزواج لا يقابل والدها نهائياً, وإذا مر أحدهما بشارع فإن الآخر يغير طريقه ويسلك شارعاً آخر لكيلا يراه, وإذا دخل الرجل مجلسا بالصدفة كان زوج ابنته جالساً فيه فإن هذا الأخير يغطي وجهه بدراعته خجلاً من عمهوالد الزوجة” والأب قد يدير وجهه عن ابنه الصغير ولا يداعبه ولا يكلمه بحضور والده الكبير أو أخيه الأكبر منه, والموريتاني لا يرفع وجهه ويحدق بوجه أبيه أو أخيه الأكبر, والكنة لا ترد على والد زوجها ولا تكلمه مطلقاً وتغطي وجهها حياء منه فلا يراها فيما تجالس الضيوف وأصدقاء زوجها وإخوته.

ثلاثة أيام مع الرمال

         لست أدري ما الذي دفعني إلى طلب زيارة أطار وشنقيط ووادان رغم معرفتي بالطريق إليها والتي تبلغ 1300 كيلومتر ذهاباً وإياباً منها حوالي 800 كم معبدة ونصفها رملية بلا معالم.. رحلة شاقة ورغم ذلك قطعناها لنتنقل بين أطار وشنقيط ووادان, ثلاثة أيام بين رمال الصحراء والسيارة مفتوحة النوافذ تسير بنا ولا نستنشق إلا الرمال الناعمة التي لا تخلو وجباتنا منها أيضاً, والحرارة مرتفعة والسيارة تتقافز على الحصى وحركتها المتعرجة على الرمال

المزيد


الموريتانيون .. شعب يألف الصحراء ويتحداها(2)

أبريل 29th, 2006 كتبها الشيخ محمد حرمه نشر في , موريتانيا في مجلة العربي

الأسماك والحيوانات.. ثروتان موريتانيتان

         بعض الباعة يضعون أسماكهم على مناضد أسمنتية بقرب الشاطئ وبعضهم يضعها على قطعة نايلون أو قماش تعزلها عن الرمل وآخرون يضعونها على الرمال وينادون عليها بأسعار زهيدة, وبعدما تنحسر الأمواج القوية تخلف أسماكا على الشاطئ يتراكض الأولاد ليجمعوها, ومعظم العاملين على الشاطئ من نساء أو رجال هم من الزنوج.

         الصيد في موريتانيا مصدر حقيقي للثروة وهو الذي يدخل العملة الصعبة وفي هذا المجال تعمل أكثر من “25″ ألف يد عاملة وهو من القطاعات المهمة, وقد شجعت الدولة الموريتانيين للعمل في هذا المجال ومنحت الصيادين رخصاً, ومنذ سنوات بدأ إيقاف صيد العمق خشية على بعض الأنواع من الانقراض لأنها مستهدفة بذاتها, كما تم إيقاف الصيد في شهري سبتمبر وأكتوبر من كل عام, والمياه الموريتانية غنية بأسماك المورو إلى جانب التونة والربيان ولا تزال الأساطيل الأجنبية تمارس الصيد في المياه الإقليمية الموريتانية سواء من أسبانيا أو فرنسا أو اليابان.

         والسواحل الموريتانية على المحيط الأطلسي تتجاوز السبعمائة كيلومتر وهي مستقيمة وقليلةالتعاريج وهذا ما يجعلها غير صالحة للملاحة وليس عليها إلا خليجان يصلحان لقيام الموانئ .

إن ثروة موريتانيا السمكية تذكر بثروتها الحيوانية الضخمة من الإبل والبقر وال

المزيد


الموريتانيون .. شعب يألف الصحراء ويتحداها(1)

أبريل 29th, 2006 كتبها الشيخ محمد حرمه نشر في , موريتانيا في مجلة العربي

حين دخلت العاصمة الموريتانية نواكشوط دهشت لمنظر الرمال الناعمة المتدفقة نحو كل شيء لتصدها الأشجار أو الجدران وتبعدها الجرافات, وأمام عنفوانها تقف إرادة الإنسان, وحين توغلنا في رحلتنا الصحراوية الشاقة من أطار إلى شنقيط ومن ثم وادان هالني منظر تلك الرمال وازدادت دهشتي وأنا أرى الرمال الناعمة بألوانها تهدد تراثا تاريخيا فريدا ومميزا في هذه المدن.

         بعدما يزيد على الخمس ساعات من التحليق حطت طائرتنا التي انطلقت من باريس في مطار نواكشوط, دخلنا موريتانيا وسط الترحيب النابع من النفوس الصادقة ولما أخذت السيارة تعدو بنا على طريق معبد تحيط به الرمال كنت أتأمل مباني نواكشوط البسيطة في غالبيتها والتي لا يرتفع معظمها ليكون أكثر من طابق واحد مبني من الأسمنت وليست كل المباني كذلك ففي أحياء فقيرة بأطراف نواكشوط كانت المنازل الطينية والأكواخ البسيطة تنتشر ويسكنها الفارون إلى المدينة من عنفوان الرمال المندفعة والآتية بالهلاك على كل ما يقف أمامها وهذا التباين أضفى على نواكشوط في بعض الأحيان هندسة عشوائية في عمرانها.

عاصمة.. من رمال

         نتجول في نواكشوط المدينة التي انبثقت حديثاً من بين الرمال بإرادة الموريتانيين ولم يصل عمرها إلى النصف قرن حتى الآن فنجدها تمثل نقطة التقاء لأمواج الرمال بأمواج المحيط, أناسها طيبون وبسطاء وهذه سمة الموريتانيين جميعاً, شعب أكثر من ثمانين بالمائة منه عرب وبربر والباقي من الأخلاط الزنجية, ويعرف العرب والبربر بالبيضان أو البيض ويتميزون بلونهم الفاتح الشاحب وبطولهم المتوسط وبالشعر الأسود وغالباً ما يعتمدون على تربية الماشية.

         وبلهجتهم الحسانية التي هي الأقرب بين اللهجات الموريتانية إلى اللغة الفصيحة كانوا يرحبون بنا ويقولون: أنتم محظوظون فالحرارة ليست المعتادة في أواخر مايو, فالجو لا يزال لطيفاً والغبار لم يعلن ثورته بعد.

         برفقة خليل العنزي رئيس الشؤون القنصلية في سفارة الكويت هناك كانت إحدى سهراتنا في منزلسيداتي” أحد رجال الأعمال الموريتانيين, السهرة عائلية وبعدما تناولنا العشاء بطريقة تجمع ما بين رفاهية الحاضر وبساطة الماضي بدأت جلسةالأتايوزوجة سيداتي الوقور هي التي تعد ذلك الشاي الصيني الأخضر المغلي مع النعناع, ومن أصول الأتاي أن يقدم في أكواب صغيرة وأن يكون نصف الكوب الأعلى مليئا برغوة الأتاي والشاي في النصف الأسفل منه, وهذه الرغوة تتطلب إعادة سكب الشاي في الكأس مرات ومرات, دارت الأتاي علينا ثلاث مرات

المزيد