الرمال تهدد درة الماضي
من أطار انطلقنا نحو شنقيط, طريقها محاط بجبال أدرار ويالها من جبال تمثل متحفا حقيقياً للطبيعة التي عملت رياحها في الحت والتعرية بدقة حتى بدأت أشكال زخرفية كالتماثيل السريالية الرائعة بالظهور, رافقتنا هذه المناظر حتى منتصف الطريق ثم بدأت الرمال الناعمة بالظهور والصحراء تتلون من حمراء إلى بيضاء إلى قاتمة كجلد النمر ومما خفف المشقة أن الطريق الترابي كان ممهداً.
وصلنا “عيون الخيل” وهو معنى كلمة شنقيط, الحرارة لا تطاق والجفاف ضارب أطنابه الرمال الناعمة في كل صوب, وقبل أن نتوجه إلى الفندق شربنا “الزريق” لبن الإبل وهو الضيافة الموريتانية بمنزل العمدة ثم توجهنا إلى إحدى دور المخطوطات, إنها دار سيدي محمد بن الحبت ذلك الرجل الذي عاش “120″سنة وفي مكتبته الباقية إلى اليوم تصف المخطوطات في الخزائن وخلف الزجاج وقد أخبرنا المشرف على المكتبة أن الحبت كان يشتري الكتب التي يجدها للبيع, وقد اقتنى كتباً أثناء رحلة الحج سواء بالشراء أو بالمجان وجلبها واستمر اهتمامه بجمع المخطوطات حتى بلغت “1400″ مخطوطة لاتزال في المكتبة وتدور هذه المخطوطات حول “12” فناً من مختلف فنون العلم والمعرفة كعلوم القرآن, الحديث, النحو, السيرة, اللغة الحساب, الأدب, علم الفلك, الطب وأقدم كتاب مخطوط فيها هو لأبي هلال العسكري ويعود إلى “480 هـ” ويمكن للباحث أن يزور هذه المكتبة ويحصل على الصورة التي يريد لإحدى المخطوطات ولكن المشكلة في عدم وجود آلة تصوير.
ولاتزال وسائل المحافظة على المخطوطات محدودة وتقتصر على مكافحة الحشرات وتأمين الجو المناسب لتبقى أطول فترة ممكنة.
المخطوطات ليست في شنقيط فقط بل هي موزعة وبأعداد كبيرة تصل إلى “40” ألف مخطوط في مختلف أنحاء البلاد ولها قسم خاص أنشأه المعهد الموريتاني للبحث العلمي في نواكشوط وهذا القسم اهتم بجمعهامنذ 1975م حتى وصل عددها اليوم إلى أكثر من “7000″ مخطوط بعضها لابن سينا والرازي وبينها مروج الذهب للمسعودي وهو مكتوب على رق الغزال وهذه المخطوطة تعود إلى ما قبل القرن الخامس الهجري وبينها أيضاً “جامع ابن يونس” وهو من الكتب المهمة في فقه المذهب المالكي وقد تم حفظ 3500 مخطوطة بتصويرها على الميكروفيلم والميكروفيش, والإشراف مستمر على تعقيم المخطوطات وقتل الحشرات التي بينها والعمل دائم في ترميم المخطوطات الآيلة للتمزق.
والمخطوطات واحدة من دعائم الثقافة التي تعرف بها موريتانيا ولعل الدعامة الأخرى هي المحاظر والمحاظر شكل من أشكال التدريس لا يوجد إلا في موريتانيا وقد فرضتها حياة الحل والترحال حتى أن بعض المحاظر كانت تنتقل بطلابها على ظهور الإبل والمحظرة مدرسة لكنها بطابع خاص يشبه طابع الكتاتيب في الدول الأخرى ولكنها من حيث مناهجها وأساتذتها ليست مجرد كتاتيب وإنما هي مدارس وجامعات لها أساتذتها المختصون في الواقع ويطلق على الواحد منهم “شيخ المحظرة” وفي منتدى الأربعاء الثقافي الذي ينعقد أسبوعياً بحضور نخبة من المثقفين وأساتذة الجامعات وتناقش فيه موضوعات جوهرية وقضايا ذات حساسية عالية, في ذلك المنتدى أكد بعض المدرسين في الجامعة أنهم لم يدرسوا إلا في المحاظر واستطاعوا بعدها أن يتابعوا في جامعات دول أخرى وكانوا المقبولين الأوائل وحصلوا على أرقى الشهادات.
وفي إحصائية أجريت سنه 1994م تبين أ














