و أرضعتني دماً..!! 1

يونيو 1st, 2009 كتبها الشيخ محمد حرمه نشر في , قصة : و أرضعتني دماً..!!

 الجزء الأول

نظر من نافذته المطلة على مدينة تخلع عنها ثوب النوم وتدخل في يوم جديد.. كان إحساسه بالفوارق والفواصل الزمنية مرهفٌ، فبعض الأوقات كانت تخنقه وأخرى تخلقه مع كل نافذة زمنية!! والصباحٌ كان أكثر الأوقات التي يرى أنها تشبهه! يمثل بالنسبة له النقاء والصفاء الذي يرافق ولادة يوم جديد، تماما كما يولد الإنسان بريئاً ناصعاً، لم تدنسه سنوات عمر عرجاء تملأها قذارة الانكسار والفشل، وتجارب نوهم أنفسنا بأنها مكسب في حين لا تعدو كونها شهادة فشل غير مزورة بأحلامنا! هكذا يتلاعب بنا العمر فلا يمنحنا في النهاية سوى جرعة غياب ورحلة مبتورة الأطراف، وشهادة وفاة! والصباح هو الآخر وما يملك من صفاء لا يعدو كونه مؤقتاً، سيتحول غباراً وشمساً صحراوية حارقة، وفي النهاية يتحول الضوء عتمة فيكون الليل وما يحمل من عوالم الرعب والجمال! فالأشياء الجميلة لا تعمر طويلاً..!! كانت علاقته بالصباح مبنية على التغير و التبدل الذي يربطهما ببعض، فكلاهما يدفن بداخله ما لا يريد للشموس أن تطلع عليه، مع أنه يسمح لزوايا الضوء أن تكبر و تزداد دون أن تكون مطلة على الخارج! فنوافذه الصباحية التي تبقى مشرعة طول العمر هي تلك التي تطل منه عليه، و تحمل منه الهواء المكتنز مدى العمر المنسي و تعيده إليه دون أن يكون للخارج حظ فيه! تلك هي نوافذ النسيان التي تمنحه علاقة خاصة بالصباح! هي التي تحمل إليه النسيم الرقيق الذي يداعب جوارحه و يمنحه إحساساً باليقظة المشوبة بغفوة، ليرى نفسه يمشي مشية النائم وراء معزاتين أنهكهما الهزال و لعب بهما الجفاف، يمشيان في إعياء و طقطقة أظافرهما الطويلة تحدث صوتاً رتيباً منتظماً يجعل من اهتزاز رقبتيهما رقصة تتناغم مع اللحن بإتقان.. كان ذلك الصوت يمنحه إحساساً بوقع أقدامه الحافية على التراب الذي ما يزال يختزن برودة الليل و آثار الحشرات و الكائنات الليلية التي تعشق الظلام فتتوارى عند خيط الفجر الأول! قميصه الرقيق و سرواله الذي تملأه خرائط من نوع آخر، لم يعيناه على مقاومة البرد الصباحي القارس، و يداه اللزجتين من آثار اللبن المحلى يضعهما بين فخذيه الصغيرين بحثاً عن حرارة قد يختزنها جسمه الضئيل! جريه المنهك وراء المعزاتين تحت إلحاح الراعي المتربص عند مخرج القرية منتظراً أغنام السكان القادمة في كسلٍ و تثاقلٍ من مناحي القرية التي لا تزال تغط في غيبوبة الصباح و كأنها تتشبث بهدوئه هاربة من جلبة النهار و ضوضاءه. القرية هي التي أورثته بعده الصباحي الأول، و هي التي أهدته أول انكسارٍ حقيقي جعله يدرك جدوائية النوافذ الصباحية! هي التي منحته القدرة على تجزأت العمر، و قتل فصوله الأكثر ضبابية بسموم الغفلة و النسيان! تلك القرية المسكينة هي التي جعلته يدرك الفرق بين شظايا اليوم الواحد، و تنوع الزوايا التي تنظر منها الشمس إلينا، و تلك التي تغيب فيها عنا! فالشمس حاضرة في كل التفاصيل هنالك.. حتى و إن كانت السماء ليلية بأنجمها المتناثرة في تناغم فوضوي ملته

المزيد


و أرضعتني دماً..!! 2

يونيو 1st, 2009 كتبها الشيخ محمد حرمه نشر في , قصة : و أرضعتني دماً..!!

 الجزء الثاني

كان خروجه إلى الدنيا متردد متلعثم، مبني على الشك و التخيل، فلم يجد أمامه من الفرح إلا القدر المساوي لما وجد من الحزن، لتحتضنه المآتم و مجالس العزاء أيام قدومه الأولى! فبقي مدى العمر دليل إثبات على لحظة حزنٍ مضت! على جريمة اقترفها القدر بأصابعه البريئة الضعيفة، حتى قبل أن يدرك الفرق بين لون الدم و اللبن، بين الجدة و الأم! لم يكن يدرك أن بداخله بركاناً من الحزن ينمو و يتسع لينعكس أمامه في نظرات قوم يتذكرون عند رؤيته شخصاً آخرَ، ينتمي إلى عالمٍ آخرَ و حياة أخرى.. كان يرى في نظراتهم ذلك الحزن و الأسف.. و قليلاً من الشفقة لم يكن يعرف لها سبباً، و لا يستطيع بعقله الصغير أن يجد لها مرداً! حتى أن الخال عبدو ذلك الرجل الستيني الذي يحمل في محياه ملامح طيبة مشوبة بقسوة خافتة أورثتها إياه مكابدة السنين و صراع الزمن، عندما أتى ليسلم على الجدة بعد غياب طويل في إفريقيا، لاحت في عينيه دمعة عندما رآه و أصابت حشرجة قوية صوته الضعيف، و راح يقبله و يتمتم بكلمات غير مسموعة، و يردد بنغمة حزينة اسمَ امرأة لا يعرفها!! لم يفهم اسماعيل تصرف هذا الرجل الذي يراه لأول مرة، و الذي يبكي أمام جدته دون أن تعلق، و هي التي كثيرا ما تنهره عندما يبكي فتعيره بالبكاء و تقول له بأن الرجال لا يبكون! لماذا لا تقول نفس الكلام لهذا الرجل الذي يبكي من دون سبب؟! أم أن الرجال عندما تكبر بهم السن يباح لهم ما كان ممنوعاً، فيتساوون مع الأطفال الصغار الذين يملأ بكاؤهم آذان الجميع! إلا أن دمعة ذلك الرجل الطاعن في السن كانت طاعنة في الحزن، إنها لم تكن بكاءً فقط و إنما كانت أكثر من البكاء، إنها كانت لغة استحضار لعوالم أخرى غير التي تتبدى لعينيه الصغيرتين الذابلتين، عوالم يحسها و لكنه لا يفهمها، يراها مجتمعة في تلك الدمعة التي يذرفها ذلك الرجل! أدرك أن لدموع الرجال طعماً آخر غير الملوحة، و غير العذوبة، طعم يبحث عن حليمات ذوق خاصة تتحلل الصلابة و الرقة عند ملامستها بنفس السرعة، بنفس القوة.. و بنفس الرعشة! و الاسم الذي كانت تشيعه تلك الدمعة ظل صداه يتردد في أذنيه، و حركة شفتي ذلك العجوز المرتعشة و هي تلفظ الاسم ما تزال ماثلة أمامه يستعيدها بكل ما تحمل من تفاصيل الحزن عندما يشيخ و يهرم! مَيَمْ.. الاسم الذي لفظه العجوز بنغمة خاصة ليعانق سمعه و يظل صداه يتردد في أذنيه، ناعم رقيق يثير فيه إحساساً غريباً و كأنه يخصه دون الجميع و يعنيه أكثر من الآخرين.. كان لديه إحساس أنه الاسم الذي كان يجب أن يستعمله أكثر من أي اسم آخر، كان من المفروض أن تكون علاقته به متجذرة و عميقة أكثر من أي علاقة أخرى، ربما كان هو اسمه قبل أن يولد، هو الذي يختزن بين أحرفه هويته الحقيقية، و ملامحه الروحية الأولى المليئة بالأنوثة! كان يثيره ذلك السر المدفون ما بين الميمين، سر يدعوه دوما إلى أن يتساءل عن صاحبة هذا الاسم، أن يجلس إلى جوارها و يطلب منها أن تحدثه عن صاحبته، أن تصفها له فتشبع فضوله الطفولي الغير مبرر لاسم مر على أذنه بالصدفة تشيعه دمعة شيخ هرم! أخبرته أنها جدته التي توفيت منذ أعوام قبل ولادته.. سألها: -      أهي تشبهك..؟ -      إنها تختلف عني تماماً، إنها جميلة.. -      أنت أيضاً جميلة..! ابتسمت و هي تنظر إليه برقة بعد أن تركت وسادة كانت تخيطها، أخذت وجهه بين يديها و قالت: -     

المزيد


و أرضعتني دماً..!! 3

ديسمبر 16th, 2008 كتبها الشيخ محمد حرمه نشر في , قصة : و أرضعتني دماً..!!

الجزء الثالث

خليط من الأصوات كان يصل لأذنيه، إنها أصوات الاستيقاظ و نفخة اليقظة الأولى في جنبات قريته نصف النائمة، صوت طفلٍ يبكي يبدو أنه استيقظ قبل والدته، في بكاءه إلحاح و إصرار على أن يوقظ كل من حوله من البشر!

و صوت آخر قادم من بعيد لإذاعة تعلن تمام السادسة صباحاً بالتوقيت العالمي الموحد، و تبدأ بسرد الأخبار من حنجرة مذيع يبدو من صوته أنه عظيم الهيأة ضخم البنية قام للتو من نومه!

و صغير ضأنٍ يصيح لترد عليه أمه بصيحة أخرى، فهي مستيقظة دوماً لن تكلفه البكاء، فالحيوانات لا تبكي لأنها لا تتعلمه و هي صغيرة.. أما نحن معشر بني البشر فإن أول ما نقوم به هو البكاء!!

و من بين تلك الأصوات المختلطة و الأفكار الغريبة التي تخطر على باله لأول مرة، و التي جعلت ذلك الصباح مختلفاً عن كل صباحاته الفائتة، شق صوت هائلٌ كل ذلك الزخم و بكل وضوح وصله:

-      كل نفس ذائقة الموت.. ستقام الصلاة بعد نصف ساعة!!!

تبعته تلاوة آيات قرآنية، و رأى الرجال يتوجهون إلى المسجد في عجلة بعد أن توضؤا و تلك السبحة في أيديهم تتراقص حباتها دون ملل..

كان يعرف أن عليه أن يرافق جدته إلى المسجد فهي لا تفوت الصلاة على أي جنازة سواء كانت تعرفها أو لا، كانت تقول له بأن في ذلك الكثير من الأجر و أنه من حق المسلم على أخيه المسلم..

وصل البيت ليجده خالياً فعرف أنها غادرت إلى المسجد..

على ضعفها غادرت في هذا البرد، إنها لا تتهاون في مثل هذه الحالات و لا تتقاعس..!

هاهو عند عتبات المسجد الذي يغص بالرجال بعمائمهم البيض و التي تجعلهم متشابهين تحت الضوء الخافت الذي ينتشر في ساحة المسجد و الذي يضفي على المكان جواً من الرهبة و القداسة و شيئاً من الخوف!

تجول في الصفوف الخلفية حيث عجائز النسوة ينتظرن إقامة الصلاة، تفحص بنظرات خجولة متلهفة وجوههم نصف المكشوفة بحثا عنها، إلا أنها لم تكن بينهن، و المكان المنزوي الذي تعود أن يتركها فيه وجده خالياً تسكنه وحشة جعلت القشعريرة تسري في أوصاله، تراجع إلى صفوف الرجال و هو مشغول الفكر بها، فهو لا يعرف أين ذهبت!

إنه قلقٌ..!!

فكر فيما كان يريد أن يسألها عنه عندما يعود من المخبزة، فكر في الاسم الذي ناداه به الأستاذ أثناء الحصة و الذي كان يسمعه كثيراً دون أن يعي جزأه الثاني و لا أن يلفت انتباهه اسم ذلك الرجل المقرون باسمه!

يتذكر جيداً سؤال الأستاذ الذي لم يجب عليه:

-      اسماعيل ولد محمد .. سمعت أحدهم يقرؤها مضموماً.. الدال مضمومٌ أم ساكن؟!!

مضمومٌ أم ساكن!!.. من أين له أن يعرف حركة الحرف الأخير من اسم شخص لم يعرف عنه أبسط التفاصيل، حتى و كأن هذا الاسم يطرق سمعه للمرة الأولى!!

أراد أن يحيل السؤال إلى جدته و ينتظر الإجابة بشغفٍ ليسألها بعد ذلك عن محمد..!

سيدعه الآن ساكناً ريثما يجد الجواب عله يحمل معه سبباً لضمه و رفعه..!

و لكن سؤاله سيحمل جميع أدوات الاستفهام و علامات التعجب.. منْ و كيفَ.. متى و أين.. و لماذا..!

من خلال زحمة الأفكار و البشر في المسجد امتدت إليه يد و سحبته بسرعة و قوة، كانت يد الخال عبدو الذي رأى في وجهه نظرة تشبه التي رمقه بها في لقائهما الأول، و بوادر الدمعة الماضية تلوح في محياه!

أراد أن يسأله عنها فربما يكون رافقها إلى المسجد أو رآها خلال تجواله في الساحة، إلا أن الخال عبدو كان قد تقدم به إلى الصف الأمامي حيث يقبع شبح جسد بشري ممدد على الأرض و ملفوف بعناية في ثوب أبيض..

أراد أن يسأله عنها.. إلا أن الخال عبدو تقدم خطوتين إلى الأمام، رفع يديه إلى الأعلى لبعض الوقت ثم كبرَ بصوتٍ عالٍ

..(الله أكبر)..

كبر الجميع من بعده بصوت عالٍ و مجلجلٍ، رفع يديه و كبر فقد علمته كيف يكبر و كيف يخشع مطأطأً رأسه إلى الأرض، جعلته يحفظ تلك الآيات القرآنية التي بدأ يرتل بصوت خافتٍ، و علمته أن يضع يديه على صدره، علمته الكثير.. مما كان يقوم به و هو يفكر في المكان الذي توجد فيه!

توالت التكبيرات.. ثم كان التسليم حيث قال بخشوع و نظراته إلى الأر

المزيد