الموريتانيون .. شعب يألف الصحراء ويتحداها(4)
كتبهاالشيخ محمد حرمه ، في 29 أبريل 2006 الساعة: 12:48 م
الرمال تهدد درة الماضي
من أطار انطلقنا نحو شنقيط, طريقها محاط بجبال أدرار ويالها من جبال تمثل متحفا حقيقياً للطبيعة التي عملت رياحها في الحت والتعرية بدقة حتى بدأت أشكال زخرفية كالتماثيل السريالية الرائعة بالظهور, رافقتنا هذه المناظر حتى منتصف الطريق ثم بدأت الرمال الناعمة بالظهور والصحراء تتلون من حمراء إلى بيضاء إلى قاتمة كجلد النمر ومما خفف المشقة أن الطريق الترابي كان ممهداً.
وصلنا “عيون الخيل” وهو معنى كلمة شنقيط, الحرارة لا تطاق والجفاف ضارب أطنابه الرمال الناعمة في كل صوب, وقبل أن نتوجه إلى الفندق شربنا “الزريق” لبن الإبل وهو الضيافة الموريتانية بمنزل العمدة ثم توجهنا إلى إحدى دور المخطوطات, إنها دار سيدي محمد بن الحبت ذلك الرجل الذي عاش “120″سنة وفي مكتبته الباقية إلى اليوم تصف المخطوطات في الخزائن وخلف الزجاج وقد أخبرنا المشرف على المكتبة أن الحبت كان يشتري الكتب التي يجدها للبيع, وقد اقتنى كتباً أثناء رحلة الحج سواء بالشراء أو بالمجان وجلبها واستمر اهتمامه بجمع المخطوطات حتى بلغت “1400″ مخطوطة لاتزال في المكتبة وتدور هذه المخطوطات حول “12” فناً من مختلف فنون العلم والمعرفة كعلوم القرآن, الحديث, النحو, السيرة, اللغة الحساب, الأدب, علم الفلك, الطب وأقدم كتاب مخطوط فيها هو لأبي هلال العسكري ويعود إلى “480 هـ” ويمكن للباحث أن يزور هذه المكتبة ويحصل على الصورة التي يريد لإحدى المخطوطات ولكن المشكلة في عدم وجود آلة تصوير.
ولاتزال وسائل المحافظة على المخطوطات محدودة وتقتصر على مكافحة الحشرات وتأمين الجو المناسب لتبقى أطول فترة ممكنة.
المخطوطات ليست في شنقيط فقط بل هي موزعة وبأعداد كبيرة تصل إلى “40” ألف مخطوط في مختلف أنحاء البلاد ولها قسم خاص أنشأه المعهد الموريتاني للبحث العلمي في نواكشوط وهذا القسم اهتم بجمعهامنذ 1975م حتى وصل عددها اليوم إلى أكثر من “7000″ مخطوط بعضها لابن سينا والرازي وبينها مروج الذهب للمسعودي وهو مكتوب على رق الغزال وهذه المخطوطة تعود إلى ما قبل القرن الخامس الهجري وبينها أيضاً “جامع ابن يونس” وهو من الكتب المهمة في فقه المذهب المالكي وقد تم حفظ 3500 مخطوطة بتصويرها على الميكروفيلم والميكروفيش, والإشراف مستمر على تعقيم المخطوطات وقتل الحشرات التي بينها والعمل دائم في ترميم المخطوطات الآيلة للتمزق.
والمخطوطات واحدة من دعائم الثقافة التي تعرف بها موريتانيا ولعل الدعامة الأخرى هي المحاظر والمحاظر شكل من أشكال التدريس لا يوجد إلا في موريتانيا وقد فرضتها حياة الحل والترحال حتى أن بعض المحاظر كانت تنتقل بطلابها على ظهور الإبل والمحظرة مدرسة لكنها بطابع خاص يشبه طابع الكتاتيب في الدول الأخرى ولكنها من حيث مناهجها وأساتذتها ليست مجرد كتاتيب وإنما هي مدارس وجامعات لها أساتذتها المختصون في الواقع ويطلق على الواحد منهم “شيخ المحظرة” وفي منتدى الأربعاء الثقافي الذي ينعقد أسبوعياً بحضور نخبة من المثقفين وأساتذة الجامعات وتناقش فيه موضوعات جوهرية وقضايا ذات حساسية عالية, في ذلك المنتدى أكد بعض المدرسين في الجامعة أنهم لم يدرسوا إلا في المحاظر واستطاعوا بعدها أن يتابعوا في جامعات دول أخرى وكانوا المقبولين الأوائل وحصلوا على أرقى الشهادات.
وفي إحصائية أجريت سنه 1994م تبين أن في موريتانيا 1524 محظرة يدرس فيها 72800 طالب, وشيخ المحظرة يعلم طلابه عادة لوجه الله تعالى ومن أجل العلم وقد بدأت المحاظر تلاقي دعماً من الحكومة وقد خرّجت علماء كباراً جابوا الدنيا بعلومهم, وللمحظرة دور إيجابي أكبر من أن يوصف في محافظتها على اللغة العربية في وجه الفرنسة وهي محاولة الاستعمار الفرنسي فرض لغته وثقافته, فقد وقعت موريتانيا فريسة للاستعمار الفرنسي الذي تطلع إليها بعدما احتل الجزائر واحتلتها فرنسا بالفعل في 1902م وقابلهم السكان بالسخط والثورة ولعل شخصية الشيخ ماء العينين من أبرز الشخصيات التي واجهت المستعمر بكل عنفوان واستقلت موريتانيا في 1960م.
وما دمنا في شنقيط فلنتعرف إلى تاريخها حيث تعود إلى “600″ هـ وقبلها كانت شنقيط القديمة “أبير” التي شيـدت في 160 هـ, عرفت شنقيط كمركز للمبادلات التجارية ونقطة تجمع القوافل القاصدة بلاد الحجاز للحج, كما أنها عرفت بمركز إشعاع ثقافي يؤمه الدارسون وطلاب الثقافة حتى أطلق على موريتانيا كاملة اسم “بلاد شنقيط” وترسخت فيها أبرز خصائص الفن المعماري الذي لا تزال آثاره متمثلة بجامعها ومئذنته الفارعة المشيدة بحجارة وضعت ببساطة بعضها فوق بعض دون إسمنت أو غيره ليثبتها ولا تزال صامدة إلى اليوم, وفي ذلك المسجد الشنقيطي صلينا ظهر الجمعة وفوجئت بأن المسجد غير مفروش إلا بالرمال الناعمة والتي ملأت ثيابنا ووجوهنا ورءوسنا أثناء الصلاة, الجميع ينظرون إلي بدهشة والسؤال يعلو شفاههم دون البوح به: من أنت, ومن أين أتيت? أتأمل نفسي بينهم وكأنني بيت شعر في دفتر حساب فأنا غريب بشكلي ولباسي وبالرمال التي التصقت بوجههي ويدي المتعرقتين أكثر مما التصقت بوجوههم الشاحبة وبدراعاتهم الفضفاضة جداً ذات الأكمام الواسعة والعريضة والتي توشك ألوانها أن تقتصر في كل البلاد الموريتانية على لونين فقط الأزرق الفاتح والأبيض.
لقد عرفت شنقيط بعلمائها الكبار أمثال أحمد البشير وولد المختار والشاعر ولد رزقه والفقيه ولد بلعمش.
ولا تزال في شنقيط محاظر ثلاث تعلم مختلف العلوم, ولقد قدمت شنقيط الحضارة الثقافية الموريتانية للعالم في فترة ما واليوم الدولة الموريتانية تقدم شنقيط وحضارتها وذاكرتها التاريخية للعالم من خلال إعلانها تراثاً إنسانياً محمياً من طرف منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) وتقيم لها الدولة بالتعاون مع المنظمات العربية والإسلامية والعالمية مؤسسة وطنية تعنى بها وبأخواتها من الحواضر الصحراوية الموريتانية التاريخية “تيشيت, ولاته, وادان” وتتولى هذه المؤسسة تنفيذ الخطط الإنمائية المتكاملة المعدّة خصيصاً لإنقاذ هذه المدن, والمعهد الموريتاني للبحث العلمي بدوره مكلف بجمع وتصنيف ونشر وتوزيع الكنوز التراثية المكتوبة والمخطوطة والمسموعة والشفهية التي تذخر بها هذه المدن وغيرها.. هذا ما حدثنا به الشاعر الموريتاني ناجي الإمام.
وتتعالى الأصوات وبينها صوتنا من أجل إنقاذ التراث التاريخي والفريد الموجود بهذه المدن القديمة من غزو الصحراء, فقد ظلت شنقيط ووادان وغيرهما شواهد على ازدهار منطقة ظلت بحكم موقعها في ملتقى طرق القوافل الكبرى تربط بين المغرب العربي ومنطقة الساحل, كما أن وجودها في مفترق طرق فكري تلتقي فيه الأندلـس بأقاصي إفريقيا جعلها تفتح أبوابها في آن واحد لتجارة السلع ولتبادل المعارف.
من ينقذها من الرمال?
هذه المدن التي أكملت رحلة امتدت قروناً سبعة يتهددها خطر الاندثار تحت الرمال بعدما تحولت الطرق التجارية عنها وبعدما تحولت المراكزالمهمة إلى مدن أخرى تضاءل الاهتمام بها وتضاءل أيضاً بذلك ازدهارها ولحقت بها فترات الجفاف الطويلة والأوبئة والمجاعات فرحل عنها عدد كبير من سكانها هرباً من زحف التلال الرملية الذي يسوق معه الهلاك, هذه المدن تصرخ وهي تستغيث بمن ينقذها ويعيد إليها الحياة وهذا يحتاج إلى جهود كبيرة جداً, وفي هذا المضمار فقد استطاعت السلطات الموريتانية تحسين ظروف الري وتربية الحيوان والصناعات الحرفية فيها ومدتها بالكهرباء وساهمت اليونسكو بوضع خطة عمل تفصيلية لحماية التراث المعماري ولكن لا تزال المشكلات ولاتزال أمواج الرمال أكبر من الأحلام ومن الجهود المبذولة ولذلك فإن شواهد على أجزاء من حضارتنا العربية تستغيث قبل أن تلفظ أنفاسها وتغمرها الرمال الملساء.
من شنقيط ارتحلنا إلى وادان وأشهد أنها أشق رحلة قمت بها في حياتي, قالوا إنها تبعد “90″ كم فقط وقالوا إنها 120 كم ولكن ما أعرفه أن أكثر من ثلاث ساعات ونصف والسيارة تتقافز على الحصى وتتعرج في سيرها على الرمال ويدا السائق الأسمر كالنابض لا تعرفان السكون ومتى سكنتا وقفت السيارة خلف الرمال المتكدسة أمام عجلاتها.
ضعنا في الطريق الرملية التي كنا نقتفي عليها آثار عجلات السيارات التي سبقتنا, وحين يضيع أو يتلاشى ذلك الأثر البسيط نتوقف لترشدنا سيارة حاكم وادان التي كانت ترافقنا وهي مزودة ببوصلة للجهات, بعد ساعة ونصف من هبوب الهواء الساخن المحمل بالرمال على وجوهنا ووصوله عبر مجاري التنفس إلى أحشائنا كنت أسأل مرافقنا سالك: كم بقي من الطريق? فيقول “20″ كم فقط وليت هذه العشرين تزيد وليتها ليتها تنقص, وليت الغبار الذي يتصاعد حولنا وخلفنا يهدأ, كانوا ملثمين سواء من يرافقنا أو من هم معنا في سيارة الوالي فالصحراء صحراؤهم وهم أدرى بها وقد عرفت الصحراء الموريتانية التي تشكل ثلثي مساحة موريتانيا البالغة أكثر من مليون وثلاثين ألف كيلومتر مربع عرفت بصحراء الملثمين عندما بلغـت فيـها قبائل صنهـاجة ـ وهم الملثـمون ـ أوج الانتشار والقوة, وكذلك عرفت ببرك الغماد, بلاد التكرور, الأرض السائبة, بلاد شنقيط ومن ثم موريتانيا ولكل تسمية أسبابها ولعل اسم موريتانيا اسم غير عربي, فقد أطلق الرومان القدامى على سكان الطرف الغربي من شمال إفريقيا كلمة “مور” وبعد أن غاب هذا الاسم ردحاً من الزمن عادت به فرنسا وأطلقته على تلك البلاد.
كنت أمني نفسي بالوصول إلى وادان لأستمتع بواديي التمر “النخيل” والعلم واللذين منهما اشتق اسمها, ولكن حين وصلنا لم أشاهد إلا أطلالاً في قلب الصحراء تعود إلى 536 هـ فقد شيدت هذه المدينة التي تعد أقدم مدن موريتانيا على شكل قلعة منيعة فوق هضبة تشرف على وادي يفناور ووادي فورذي ووراء أسوار هذه المدينة كان العلماء بأعداد هائلة يدرسون, وهناك وضع أول شرح لمختصر الخليل ابن اسحاق “موهوب الجليل على شرح الشيخ خليل” وفيها عثر على مخطوط مروج الذهب للمسعودي.
وفي وادان شارع معروف بشارع الأربعين عالماً وكل عالم من أولئك الأربعين يتميز بإلمامه وغزارة علمه, ولا تزال قلعة وادان ومسجداها يحكيان عظمة الفن المعماري الذي بلغته الحضارة في تلك المنطقة أثناء ازدهارها..الرمال على مد البصر على شكل كثبان هائلة تهيجها الرياح فتذروها أو تعصف بها لتصل إلى كل مكان ومهما كان محصناً.
ودعنا وادان وعدنا إلى نواكشوط وعلى الطريق المعبدة بعد خروجنا من أطار باتجاه العاصمة كانت الرمال تتلوى منساقة أمام الرياح كما الثعابين وكان التصحر يعلن زحفه غير آبه بما يلحقه بالإنسان وحين كنت أودع موريتانيا كان ذلك الصراع بين الإنسان وصحرائه ماثلاً أمامي.. إنه صراع غير متكافئ تقع فيه المواشي والمحاصيل وحتى المنازل وربما الإنسان نفسه ضحية زحف رملي هائل ومخيف, ومسألة الزحف هذه ربما تتم بليلة غاب قمرها ـ كما يقال ـ أو طلع, فالرمال تتحدى وإرادة البشر تتصلب فتقاوم أو تضعف فتهاجر إلى المدن الكبرى ولكن ذلك الصراع مستمر والخوف كل الخوف من انتصار الرمال وضياع ما يمكن إنقاذه.
نقلا عن مجلة العربي الكويتية www.alarabimag.com
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : موريتانيا في مجلة العربي | السمات:موريتانيا في مجلة العربي
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























